تقرير «مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي» بعنوان (زوال حل الدولتين؟؟) مقدمة التقرير كما وردت في موقع مؤسسة كارنيجي- نافذة كارنيجي للشرق الأوسط:
المقاربة الأميركية الحالية المتبعة تجاه الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني تقوّض في الواقع فرص حل إقامة الدولتين. فبدلاً من التظاهر بأن هناك إمكانية للتوصل إلى اتفاق الآن، من الأفضل بكثير للإدارة الأميركية، خلال ما تبقى لها من شهور معدودة، ان تبادر إلى العمل على معالجة المعضلات الأساسية لتحسين السيناريوهات بالنسبة للإدارة القادمة، كما يدعو ناثان ج براون، الخبير في شؤون الشرق الأوسط، في تقرير بعنوان زوال حل الدولتين؟.
ناتان جي براون
زوال حل الدولتين؟
ترك التوقف الفعلي لعملية السلام التي بدأت في مدريد عام 1991، واستكملت في أوسلو عام 1993، حال اكتئاب لدى المراقبين نتيجة ما خلفته من الاستبعاد الحالي لتحقيق اي تسوية او ادارة للصراع، هذا بالاضافة إلى ما فرضه هذا التوقف من اتقان عدم تحقق الغايات المرجوة من اسس الديبلوماسية الدولية التي اتبعت في ادارة الصراع خلال العقدين المنصرمين او حتى قابليتها للتنفيذ.
اعتمدت هذه الديبلوماسية على صيغة «الارض مقابل السلام» لانشاء كيان سياسي فلسطيني في الضفة الغربية وغزة، وهو الامر الذي لم يتحقق، مع ان معظم اللاعبين الدوليين والعديد من الاسرائيليين والفلسطينيين، مازالوا يفضلون اتباع هذه الديبلوماسية، إلا ان هذا لا ينفي مشاركة جميع الفرقاء في تقويض فاعليتها سواء كان ذلك من دون قصد احيانا او عن قصد احيانا اخرى.
لقد آن الأوان للتوقف عن الادعاء ان الديبلوماسية الدولية الحالية، فعالة بشكل يمكن ان يقود الى انجاح حل اقامة الدولتين، بل اصبح يتوجب ابتكار مقاربة جديدة تعترف بالحقائق المرة، على الذين يدعمون حل اقامة الدولتين ان يدركوا مدى الانهيار الذي اصاب الاطار الذي كان يقوم عليه هذا الحل.
بعد انقضاء عقدين من الزمن في ظل اولئك الذين دعموا جليا حل الدولتين، قام الفلسطينيون في يناير 2006 بانتخاب حزب يرفض هذا الحل، ليصبج مثل هذا الحل بمثابة اجراء موقت، زادت موجة العنف التي حدثت في غزة في يونيو 2007، المشكلة تعقيدا من خلال تدميرها لاي قدرة، ولو كانت محدودة. لدى الفلسطينيين، على العمل المتماسك لتنفيذ اي برنامج عمل سياسي يدعم استمرار اتباع اقتراب اقامة الدولتين.
اما على صعيد القادة الاسرائيليين، فقد اتخذوا العديد من الخطوات الملموسة خلال عقود اربعة زادت من صعوبة نجاح حل الدولتين، فقد ظلوا حتى فترة قريبة يعارضون هذا الحل من الناحية المبدئية والعملية، على حد سواء، ولم تعرب الحكومة الاسرائيلية عن تأييدها بوضوح لاقامة دولة فلسطينية إلا بعد اندلاع الانتفاضة الثانية، استمرت اسرائيل تقويض قدرات السلطة الفلسطينية التي تشكل الاساس لقيام تلك الدولة، هو ما اتبعه ارييل شارون، ابان فترة حكمه، اما في ظل حكم ايهود اولمرت، فقد اصبحت المشكلة بمثابة العجز عن العمل بجرأة لدعم تنفيذ هذا الحل.
على صعيد المجتمع الدولي، يمكن القول ان المجتمع الدولي قد ساهم في تعجيل القضاء على حل الدولتين كخيار قابل للحياة، فالاجراءات الالية والسياسية القاسية التي اتخذت ضد السلطة الفلسطينية بعد ان شكلت «حماس» الحكومة في مارس 2006، لم تعاقب حماس وحسب، بل عاقبت ايضا المؤسسات الفلسطينية، كما تركت محاولة الولايات المتحدة دعم القوة العسكرية للسلطة لكي تواجه «حماس» نتائج عكسية، فقد اضرت بسمعة هذه القوات في اعين الفلسطينيين والتي تثبت مدى ضعفها عندما هُزمت في المواجهة المفتوحة في غزة خلال الصيف الماضي، ويقر المسؤولون الاميركيون الان سرا بأنهم لا يملكون اي فكرة عن كيفية معالجة مسألة الكيان الفلسطيني المتشرذم، رغم ذلك، تستمر الولايات المتحدة بمحاولتها المتواضعة والعقيمة لاعداد قوات الرئيس محمود عباس لاحتمال نشوب نزاع مسلح مع «حماس» تزامن ذلك مع القبول المتردد للجهود المصرية لوقف اطلاق النار بين اسرائيل و«حماس» فهذه الجهود تسعى إلى التعامل مع واقع وجود حماس، وهذا يتعارض بالكامل مع الجهود الرامية إلى دحر هذه الحركة.
ان التناقض الظاهر في تبني فرة وقف اطلاق النار هذا ينطبق على النفط الاميركي المعهود، اي القبول بالامر الواقع في نهاية المطاف، وبعد فوات الاوان على امكانية جني اي كسب منه، اكتشفت واشنطن اهمية الاصلاحات الفلسطينية في العام 2002 (بعد انقضاء فترة طويلة على محاولة الفلسطينيين انفسهم اثارة قضايا نظام الحكم والديموقراطية). واكتشفت واشنطن خريطة الطريق عام 2006، بعد ان كانت قد تركتها تتلاشى طوال اعوام ثلاثة ولم تبدأ الولايات المتحدة دعم عباس جديا إلا بعد ان خسر حزبه الانتخابات البرلمانية، وايدت مبدأ الدولة الفلسطينية بعد ان كانت هذه الخطوة الرمزية قد فقدت كامل معناها في نظر الفلسطينيين كما لم تظهر الولايات المتحدة اي رغبة ذات شأن للضغط على اسرائيل في ما يخص وقف بناء المستوطنات إلا بعد ان اصبحت المستوطنات متوطدة بعمق في الضفة الغربية.
الحق يقال ان التوقيت الخاطئ والمتابعة الواهنة لايرجع فقط الى الولايات المتحدة، فقد اتخذت الدول العربية مبادرة جرئية في بيروت عام 2002 عندما تبنت حل الدولتين، لكنها تأثرت بصد الولايات المتحدة لها، ومنذ ذلك الحين بقى الجانبان غير قادرين وغير راغبين في السعي لتحقيق هذه المبادرة بأي طريقة متناسقة.
قائمة خيارات بغيضة
على الولايات المتحدة ان تتولى قيادة المجتمع الدولي في اطلاق بداية جديدة لمقاربة النزاع، وان تطلق مبادرات على اساس الحقائق الماثلة على الارض بدلا من الاستناد إلى آمال الامس المتلاشية، اما المشكلة، بالطبع، فهي ان الخيارات المتوافرة لاي قيادة اميركية جديدة سوف تكون محدودة بالفعل.
1 - الخيار الاول: وهو العودة إلى حل الدولتين،
اذ يعد هذا الخيار الاكثر جاذبية لانه اعادة احياء حل الدولتين واذا كان تبني هذا الحل هو الاسهل سياسيا فإن تحقيقه سوف يكون فائق الصعوبة.
فصيغة الرئيس جورج دبليو بوش شملت: «دولتين، اسرائيل وفلسطين، تعيشان جنبا إلى جنب بسلام، وامن» مع دولة فلسطينية «قابلة للحياة، متماسكة، متمتعة بسيادة واستقلال»، هذه الرؤية للحل تبقى عظيمة جدا، إلا انها كالرؤى كافة طبعا، تفرض على الرئيس بوش التغاضي عن التطرق إلى التفاصيل الشائكة المتعلقة بالحدود، والمستوطنات الاسرائيلية، واللاجئين، والقدس، والحق يقال ان ادارة الرئيس بوش كانت اكثر صراحة واكثر انفتاحا في نقاشها لهذه المسائل بالمقارنة مع الادارات الاميركية السابقة.
لكن المشكلة الحقيقية تعود إلى ان هذه الرؤية لم تقترن بأي عملية واقعية لانجازها، فالمقاربات المختلفة التي اتبعت، مثل اهمال المسألة، واجراء اصلاحات فلسطينية، وخريطة الطريق، وانابوليس جميعها لم تقرب الوضع من بلوغ هدفه المنشود على الاطلاق، والحقيقة ان التغيرات الحاصلة على الارض والتفتت المؤسساتي الفلسطيني اعاقت قيام اي فرصة واقعية للتحرك نحو حل الدولتين.
ان شبكة المستوطنات الاسرائيلية، وتطويق بعض المدن الفلسطينية، وانشاء الطرق الجديدة، وبناء الجدار الفاصل داخل الضفة الغربية كلها تشكل عقبات مادية بوجه انشاء دولة فلسطينية يمكنها العيش جنبا الى جنب مع اسرائيل، وقد نبه النقاد طوال جيل من الزمن بان صيغة «الأرض مقابل السلام» العبارة التي كانت تذكر عندما كان من المستحيل ذكر عبارة «الدولة الفلسطينية»، بدأت تتحول بدورها الى أمر يستحيل تحقيقه. وبعد مرور ما يزيد على ثلاثين عاما على اطلاق صيغة «الأرض مقابل السلام» حان وقت الاعتراف بصعوبة دحض نظرية هؤلاء النقاد عن استحالة تحقيق «صيغة الارض مقابل السلام».
ليست العقبات المؤسساتية أقل صعوبة من العقبات المادية. فطوال عقد من الزمن، كانت هناك قيادة فلسطينية تلتزم علنا بحل الدولتين. ومازالت بعض هذه القيادات تحتل المناصب، لكنها لا تملك الكثير من السلطة. فمثلا أصبحت حركة «فتح» وهي اقوى الاحزاب السياسية المناصرة لحل الدولتين، تعاني من فقدان الثقة والانقسام على نفسها. وعلى المستوى الرسمي، تشهد الساحة الفلسطينية وجودا لحكومتين، واحدة في رام الله واخرى في غزة تشرف حكومة رام الله على جهاز بيروقراطي يتسم بالانحلال المتردي، وتعتمد هذه الحكومة بالكامل على الدعمين الدوليين المالي والديبلوماسي لدرجة جعلت من الفلسطينيين ينظرون الى أعضاء تلك الحكومة على انهم بمثابة أوصياء، دوليين وليسوا كقادة محليين. اما الحكومة الأخرى، فتلك التي توجد في غزة، وهي ترفض كلتا العمليتين الديبلوماسيتين اللتين نشأتا خلال العقدين الماضيين، علاوة على الرؤية التي تستندان اليها. وفي مثل هذا الوضع ليس هناك مكان لأي حل تفاوضي فيما بين الحكومتين من اي نوع كان.
هل يمكن قلب هذه الحقائق؟
ربما لا تزال عملية اعادة احياء حل الدولتين ممكنة، لكن عليها ان تمر عبر سلسلة من الخطوات المحفوفة بالمخاطر والصعبة سياسيا. تكمن الخطوة الأولى في ان تبرهن اسرائيل بوضوح من دون اي التباس على انها راغبة في فك ارتباطها بالضفة الغربية. فثمة حاجة الى اقناع مؤيدي اسرائيل وشركائها المحتملين، والاسرائيليين أنفسهم، بأن هذا الامر ممكن. والطريقة الوحيدة للتحقيق تتمثل في التجميد الحقيقي للاستيطان وعكس مساره، بحيث يصبح واضحا ان ما تم في غزة يمكن تكراره في الضفة الغربية. كما يتطلب الأمر من اسرائيل ان تتبنى نظاما أمنيا في الضفة الغربية يكون أقل تدخلا في تحرك الفلسطينيين وأقل تقييدا له. لكن من غير الواضح ما اذا كانت الخطوة الأولى ممكنة سياسيا او اذا كانت الخطوة الثانية ممكنة عمليا.
تتعلق المجموعة الثانية من الخطوات باعادة تشكيل قيادة فلسطينية قادرة على القيام بالتزاماتها الرسمية. على المدى الطويل (وحتى المتوسط) يمكن تحقيق ذلك على أفضل وجه عن طريق انشاء الآليات الديموقراطية التي توفر للفلسطينيين فرص اتخاذ وتحديد خياراتهم بوضوح، وهو ما يتطلب وجوب اعادة احياء واصلاح حركة «فتح».
لكن الديموقراطية لا يمكن بناؤها وسط الفراغ. ففي الوضع الحاضر المتميز بالفوضى والانقسام العميق، ليست هناك امكانية لاجراء انتخابات شرعية. اما المسار الأفضل على المدى القصير، فهو نوع من مشاطرة السلطة. والحقيقة ان الفلسطينيين أنفسهم كانوا قد تفاوضوا في شأن هذا النوع من الاتفاق في فبراير 2007. وهذا ما أتاح لـ «فتح» و«حماس» مشاطرة السلطة الفلسطينية، كما اتاح للرئيس عباس، بصفته رئيس منظمة التحرير الفلسطينية، التفاوض مع اسرائيل. والواقع ان صياغة هذه الاتفاقية، اي «اتفاق مكة» جاءت غامضة لدرجة ان معظم الذين اطلعوا عليها اعتبروا انها تتضمن ثغرات أكثر من كونها تتضمن نصوصا واضحة. وهكذا، فانها انهارت بسرعة تحت وطأة الضغطين الدولي والداخلي الكبيرين. اما اعادة احياء هذه الاتفاقية فقد يعتبر مشروعا محفوفا بالشكوك في أحسن الحالات. وحتى لو نجحت هذه الصيغة، فانها سوف تحمل مخاطر جمة بالنسبة الى جميع الفرقاء، رغم انها تبقى شرطا مسبقا لاعادة احياء حل الدولتين.
هناك خيارات أكثر واقعية بكثير، لكن المشكلة انها أيضا غير مرضية.
2 - الخيار الثاني: حل الدولة الواحدة،
اذ مع تراجع احتمالات تحقيق حل الدولتين، بدأت فكرة الدولة الواحدة المزدوجة القومية تحظى بمزيد من الاهتمام. كثيرا ما كان الاهتمام بمثل هذه الدولة هامشيا بفعل اثر الحركات القومية الصهيونية والفلسطينية الرافضة لمثل ذلك الطرح، ففي الاعوام الأخيرة، تلقف العديد من المفكرين الفلسطينيين هذه الفكرة، لكن التوجه الاسرائيلي العام لا يزال يعتبرها بمثابة الخطر الذي قد يستهدف جوهر المشروع الصهيوني.
عموما، يقع المدافعون عن الدولة المزدوجة القومية في شرك الدعوة الى حل طوباوي مثالي باهر، من دون تحليل صورة هذه الدولة، او كيف سيتمكن العدوان المتحصنان في خنادقهما من انشاء مثل تلك الدولة؟ فمن ناحية، يشبه حل الدولة الواحدة الفكرة الشيوعية، التي كانت مثلا أعلى طوباويا وجد فيه العديد من الناس ما هو أفضل من الواقع المرير، ولكنه بمرور الوقت قاد الى ممارسات ذات انعكاسات خطيرة على كل من اعتنقه.
ان فكرة حل الدولة الواحدة بدأت تبرز بالفعل، لكنها تبقى الى الآن مجرد فكرة مشوهة او خيالية التصور. فالدولة الواحدة التي ستنشأ لن تقوم على أساس قوميتين تتشاطران الارض نفسها، على أساس تعاوني متساو، لكنها ستكون، بدلا من ذلك، دولة ينعم فيها البعض بالحريات الليبرالية والامتيازات الديموقراطية مع استمرارهم في القلق بشأن أمنهم، في حين يحرم الآخرون من الحرية والأمن على حد سواء. وبكلمات اخرى، اذا قامت دولة واحدة في المستقبل للاسرائيليين والفلسطينيين سوية، فانها لن تقوم على التعايش المتساوي بل على علاقات تتسم بالسيطرة من جهة، والمقاومة من جهة أخرى.
3- الخيار الثالث، وهو التعايش الموقت،
فإذا عجز الاسرائيليون والفلسطينيون عن التوصل الى ترتيبات دائمة مقبولة من الطرفين لأجل العيش اما منفصلين واما سويا، ربما يمكنهم الاتفاق على العيش معا على أساس يومي. فبدلا من التفاوض في شأن اتفاقية لحل جميع خلافاتهم، بامكان الاسرائيليين والفلسطينيين التوصل الى نوع من الترتيبات الهادفة الى تجنب النزاع المباشر والعنف. وبدلا من تحقيق المصالحة التاريخية، يمكن ان يكون الهدف اقامة استقرار أشبه ما يكون باستقرار الحرب الباردة.
والغريب، ان «حماس» نفسها اتخذت المبادرة في هذا المسار عندما اقترحت عقد هدنة طويلة ووقف قصير المدى لاطلاق النار.
هدنة المدى الطويل مبادرة قديمة اقترحتها «حماس» أول مرة قبل عقدين من الزمن. ربط قادة «حماس» عرضهم للهدنة بعدة شروط، هذه الشروط كانت تفترض انسحابا اسرائيليا الى حدود 1967 كحد أدنى. أصرت «حماس» ان هذا العرض لا يعني القبول بشرعية اسرائيل. عادة، كانت اسرائيل ترفض بقوة هذه المقاربة وتصفها بالحيلة المكشوفة الرامية الى السماح لـ «حماس» ببناء قدراتها لاستئناف النزاع في مراحل لاحقة. والهدنة تفترض ايضا تنازلات اسرائيلية من طرف واحد (الانسحاب الكامل من الضفة الغربية وغزة) الأمر الذي لم تعرضه اسرائيل حتى كجزء من معاهدة سلام شاملة.
يثير وقف اطلاق النار على المدى القصير ريبة مبررة لدى الاسرائيليين، وليس سببها مجرد الافتراض بأن «حماس» مخادعة. فهناك ايقان باستحالة استمرارية وقف اطلاق النار أيا كانت نوايا الطرفين، نظرا الى استياء اسرائيل وضع قيود على حرية تصرفها، بالاضافة الى خوف «حماس» من تحول الترتيبات الموقتة الى ترتيبات دائمة تبقي الفلسطينيين ضمن حدود ترفضها الحركة. أثبتت اتفاقات اوسلو ان التزام الجانبين بالعملية السلمية نظريا لا يمنع مواصلتهما العمل ببراعة لتكريس التفاهمات الاحادية، وحتى للتوصل الى اتفاقات تفصيلية. فمن الصعب تصور «حماس» واسرائيل تبديان مزيدا من روح التعاون في تطبيق وقف مُبهم لاطلاق النار او هدنة ملتبسة (تأتي على الأرجح عبر مفاوضات غير مباشرة).
قد يكون التعايش الموقت أفضل ما يمكن تحقيقه، لكن من الصعب تجنب الارتياب بأن هذه التسوية ستكون مجرد هدنة لنزاع ليعود ويندلع لاحقا بشكل يزيد من صعوبة معالجته. هكذا، يصبح منطقيا اعتبار وقف اطلاق النار بمثابة تدبير موقت لافساح المجال أمام العمل الديبلوماسي، عوضا عن تحوله تدبيرا دائما.
4 - هل هناك خيار رابع؟ انتصار عسكري إسرائيلي؟
كان موضوع القيام بحملة عسكرية لطرد «حماس» من غزة او لتدمير شن الهجمات، مسألة قامت في شأنها مناظرات متكررة بين الاسرائيليين، فالضغوط السياسية التي تثيرها صواريخ «حماس» أصبحت تجعل قيام حملة عسكرية أكثر احتمالا.
لن يستطيع الرد العسكري غير المصاحب لتخطيط استراتيجي سياسي قابل للنجاح، ان يحقق الكثير في حل المشاكل الأساسية. وهو الأمر الذي أدركته الولايات المتحدة في العراق وتعلمته اسرائيل مرارا وتكرارا في لبنان ولذلك علينا ان نتساءل هل يمكن لاجتياح غزة عسكريا ان يحقق أي هدف سياسي؟
على المدى القصير قد تسمح هذه الحملة باعتقال قادة «حماس» وتقويض قدراتها العسكرية، أما على المدى الطويل، فلن تؤتي مثل تلك الحملة لأي ثمار. فـ «حماس» تتمتع بتأييد شعبي واسع لدى المجتمع الفلسطيني وهو الأمر الملاحظ. ففي حين تمكنت تحركات اسرائيل السابقة ضد «حماس» وقادتها من القضاء على قيادات المستوى الأعلى، استطاعت «حماس» في اعادة تكوينها بسرعة.
إذا كانت الاستراتيجية العسكرية تهدف الى خدمة الأهداف الاستراتيجية بدلا من الأهداف التكتيكية، فينبغي عندئذ ربطها باحدى الخيارات السياسية المدرجة أعلاه. على الأرجح فانها ستؤدي الى اعاقة تنفيذ مثل تلك الخيارات. فمن شأن التدخل العسكري في غزة ان يقوض حل الدولتين عن طريق تدمير ما تبقى من قدرات فلسطينية لاقامة الحكم الذاتي، وسوف يشوه سمعة «فتح» بتصويرها كشريكة لاسرائيل. قد يدفع استمرار الاحتلال الاسرائيلي للاراضي الفلسطينية، وتيرة التحرك نحو حل الدولة الواحدة، لكن هذا الحل سيكون من النوع الأكثر بشاعة. هناك بعض الطرق التي قد تسمح بالجمع بين محاولة ايذاء «حماس» عسكريا، وبين الجهود الرامية الى التوصل الى تسوية موقتة تكون شروطها أفضل بالنسبة الى اسرائيل. الا ان هذه العملية العسكرية سوف تجعل قابلية نجاح مثل هذه الترتيبات بالأمر الصعب على المدى الطويل.
باختصار إدراك اسرائيل ان تحقيق أي انتصار عسكري ضد «حماس» سيكون فارغا من أي مضمون، هو ما يردعها عن ممارسة أي استراتيجية عسكرية ضد «حماس».
والسؤال هو:
ما الذي يمكن القيام به في اطار تلك التداعيات؟
هكذا، ستكون قائمة الخيارات التي ستواجهها الادارة الأميركية المقبلة في يناير 2009، قصيرة وغير مرضية. فالخيار الاكثر جاذبية، اي اعادة احياء حل اقامة الدولتين، في واقع الامر سوف يتطلب جهودا جبارة جدا، كما انه سيتطلب مزيدا من الصبر، والاهتمام المتبادل، والقدرة على تحمل المخاطر أكثر مما تظهره الولايات المتحدة في تعاملها مع هذا الصراع.
بامكان ادارة الرئيس بوش، بما تبقى لها من وقت، العمل لجعل مهمة القيادة الاميركية القادمة اسهل في ادارة هذه المسألة. وما من شك ان وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس تسعى بطموح الى العودة الى حل اقامة الدولتين. لكن المشكلة في جهودها انها تتجاهل، بشكل غير مبال (وكثيرا ما يكون بشكل مسيء)، واقع التطورات التي تجعل هذا الحل أمرا مستحيلا.
في الوقت الحاضر، تزيد الولايات المتحدة من تعميق التفتيت المؤسساتي الفلسطيني عبر مواصلتها لتأييد وتفضيلها لبعض العناصر الفلسطينية على الاخرى في ظل الحرب الأهلية الفلسطينية الباردة. فالمقاربة الاميركية تقوم على الافتراض بأن تقديم المساعدتين الأمنية والاقتصادية الى حكومة رام الله، الى جانب تحقيق تقدم ديبلوماسي مثير نحو الاعتراف بدولة فلسطينية، يمكنها ان تقوي يد الرئيس عباس، لكي يصبح قادرا على قيادة الفلسطينيين نحو اتفاقية سلام. لكن الفلسطينيين ينظرون الى «المساعدة الأمنية» بمثابة تدخل سافر يهدف الى الحاق الهزيمة بـ «حماس» وحماية اسرائيل. اما المساعدة الاقتصادية، فلم تكن أكثر من مشاريع تنموية غير فعالة، وبمثابة مهدئات، ومساعدات انسانية لا اكثر. ووعود التقدم الديبلوماسي يبقى رنينها فارغا في آذان الرأي العام الفلسطيني. فلم يصبح عباس أقوى أو أكثر شعبية من جراء هذه الجهود الاميركية، بل اصبحت في هبوط متواصل، وهو يفقده زمام المبادرة لصالح «حماس» في الوقت الذي تزداد الكيانات المؤسساتية المساندة لعباس، اي السلطة الفلسطينية و«فتح» تفتتاً.
خلال الاشهر القليلة المتبقية لها، على ادارة الرئيس بوش عدم التركيز على التوصل الى اتفاقية بشكل سريع فيما بين الطرفين، بل عليها ان تركز على ارساء الارضية اللازمة للادارة التي ستخلفها لكي تتمكن من مواجهة الوضع القائم، ولكي تصبح ظروفها واعدة أكثر. بهذا قد يكسب الرئيس بوش، مع الوزيرة رايس، ما يستحقانه من التقدير عند مغادرتهما الحكم، على غرار ما كسبه ريغان وشولتز (اللذان فتحا الأبواب أمام خليفيهما للحوار مع منظمة التحرير الفلسطينية)، وليس كما أصاب كلينتون واولبرايت من فشل (حيث شاهدا جهودهما تنهار بالكامل في دوامة من الارتياب، والعنف، واللوم، والاستياء). وتحقيق سيتطلب تغييرا فوريا ومدروسا في السياسة الاميركية مثل:
أ - التوقف عن وضع العقبات بوجه مشاطرة السلطة بين الفلسطينيين: يتوقع معظم الفلسطينيين ان تتوصل القيادات الفلسطينية الى المصالحة في نهاية الأمر، حتى لو ترك ذلك الكثير من المرارة وقدرا كبيرا من الانقسامين القانوني والمؤسساتي المتوطد والذي سيبقى من اللازم التغلب عليه. ليس فقط على الولايات المتحدة تشجيع هذه الجهود لكن عليها ايضا ان تدرك ان أي محاولة جدية لعرقلة جهود التسوية الداخلية بين الفصائل الفلسطينية ستقضي ايضا على أي آمال قد تكون متبقية لاعادة احياء حل اقامة الدولتين.
ب - السعي الى وقف واقعي لاطلاق النار بين اسرائيل و«حماس»: ان أي اندلاع جديد للقتال سوف يعيق الجهود الديبلوماسية ويجبر صانعي القرار الى مجرد القيام بردود فعل قصيرة المدى. لن ينقذ وقف اطلاق النار الأرواح وحسب بل أيضا سيجعل من الممكن وضع استراتيجيات طويلة المدى ويزيد القدرة على متابعتها. خلال الاسابيع الماضية، توصلت جميع الاطراف الى قناعة بأن وقف اطلاق النار أصبح في مصلحتها، لكن تبقى شروط وقف اطلاق النار موضع خلاف كبير بين الاطراف. وتعتبر اسرائيل ان أي وقف لاطلاق النار يسمح لـ «حماس» بالعودة للظهور في الضفة الغربية واستيراد الاسلحة الى غزة، وهو ما تعتقد انه سيترتب عليه الكثير من المخاطر ويكلف اسرائيل الكثير على المدى الطويل. في الوقت نفسه علينا ان ندرك ان اي وقف لاطلاق النار يهمل الضفة الغربية، ويبقى الحصار على غزة قائما، لن يكون مقبولا في نظر «حماس» كما انه لا يمكن ان يكتب له الاستمرار. ليس هناك من طريقة سهلة لمعالجة هواجس كلا الفريقين، لكن هناك حاجة الى اعتماد بعض الصيغ الابداعية (مثل مراقبة نقاط عبور الحدود، ومزيد من الجهود المصرية المتشددة ضد التهريب، بل وربما نوع من التفتيش عن الأسلحة في غزة). لقد دفعت الولايات المتحدة بسياساتها السلطات المصرية للقيام بدور الوساطة ولذلك فعليها الآن أن تسمح لهذه السياسات والجهود بالاستمرار.
ج - عدم التشدد في موضوع «التعاطي مع حماس»: الحجج والآراء على كيفية التعاطي مع ردود الفعل تجاه «حماس» كثيرا ما تحمل في طياتها مغالطات خاطئة: على الولايات المتحدة اما محاربة الحركة بالوسائل كافة واما «التعاطي معها». هناك توجه قوي جدا أصبح مكرسا بتزايد في القانون، لرفض المسار الاخير. لكن مع الوقت، تم تناسي المنطق الذي تقوم عليه السياسة الحالية الصارمة للغاية. فقد كان رفض التفاوض مع الارهابيين يستند بالاصل الى أساليبهم أكثر مما يستند الى رفض اهدافهم. تمثل الخوف من التعامل مع الذين يهددون باللجوء الى استخدام العنف، في انه سيؤدي الى المزيد من التهديدات والهجمات في المستقبل. اما الآن، فان الخوف من العنف وحده هو الذي اصبح يدفع الولايات المتحدة واسرائيل الى قبول الاستثناءات فيما يخص تلك السياسات. فالمفاوضات غير المباشرة أصبحت مقبولة اذا كانت تتعلق بالجنود المخطوفين والهجمات الصاروخية، ولكن ليس في شأن المسائل الأخرى.
هناك البعض من النقاد في الولايات المتحدة (واكثر منهم في اسرائيل، وحتى اكثر من هؤلاء في اوروبا) يرغبون في تحويل هذا الاستثناء الى قاعدة دائمة عن طريق مزيد من التعاطي مع «حماس». المشكلة في النقاش الناجم عن مسألة «التعاطي» مع «حماس» تكمن في ميل المؤيدين والمعارضين للتناسي بأن الاتصال هو وسيلة وليس الغاية. ففوائد الاتصال المباشر، اضافة الى كلفته، غالبا ما يكون مبالغا فيهما الى حد كبير. يوفر التعاطي المباشر قدرا اكبر من التعارف المتبادل، ومزيدا من التواصل. لكنه لن يقود الى تغيرات مهمة فورية في مواقف «حماس» وهو ما يمكن الاستدلال عليه ومن خلال اعلان «حماس» بانها لن تكون مثل «فتح» ولن تسعى الى ارضاء المحاورين الدوليين. الا ان هذه الاتصالات لن تسبب اي اذى خطير ايضا. فقد تشعر «حماس» انها على حق، لكنها تستمد معظم شرعيتها مما تقوله وتفعله في الداخل، وليس من مدى قدرتها على التقرب من الاوساط الدولية.
المطلوب هو التقليل من النقاش اللاهوتي على جدوى التواصل ووسائله، وطرق ادارة وجود «حماس» ضمن المجتمع الفلسطيني. في حال قيام أي اتصال، من الأفضل أن يأتي عبر الرئيس عباس لابلاغ الفلسطينيين ان بامكان المجتمع الدولي التعامل بسهولة أكثر بكثير من الذين يعملون من أجل الهدف الذي لا يزال الفلسطينيون أنفسهم يفضلونه، أي حل اقامة الدولتين.
د- التوقف عن اضفاء الصفة الشخصية على فلسطين. لعبت الولايات المتحدة لعبة، اتصفت استراتيجيا فيها بأنها قصيرة النظر، وذلك من خلال تأييد المفضلين لديها في السياسة الفلسطينية (ياسر عرفات، محمد دحلان، محمود عباس، سلام فياض)، بينما حولت الاعداء المفترضين للسلام الى شياطين.
فقد تم انتقاء الملائكة والشياطين عموما على أساس حسابات صحيحة، ولكنها قصيرة المدى للغاية. اما النتيجة فقد اتسمت أحيانا بالانفصام في السلوك (وعلى وجه التحديد، بالنسبة الى عرفات، ولكن أيضا بالنسبة لعباس الذي اعتبر مرة منقذا ومرة قاصرا) وتشويه سمعة أبطال الساعة. وبحذق، قادت هذه السياسة الولايات المتحدة الى التغاضي تماما عن الحاجة الى تطوير القدرات المؤسساتية الفلسطينية لكي تسمح لهم باتخاذ قرارات ذات نفوذ. واذا كان على السلام ان يأتي يوما، فيجب ان يتم مع فلسطين. وهذا يتطلب بناء المؤسسات وليس وضع الرهانات كلها على قادة معينين. الزعيم القوي قد يكون قادرا على صنع تسوية تحقق تعايشا موقتا في أحسن الحالات. ومن هنا، فلا يجوز ان تضع الولايات المتحدة رهاناتها كافة على عباس (الذي يقترب من موعد انتهاء ولايته كرئيس) وعلى فياض (وهو شخصية دولية محترمة يفقد أي دعم سياسي داخلي)، بل يجب عليها ان تركز، بدلا من ذلك، على اعادة بناء البنى السياسية للسلطة الفلسطينية ككل.
هـ - الاهتمام باصلاح حركة «فتح». قد يشكل المؤتمر الحزبي لـ «فتح» الذي طالما تأجل انعقاده، آخر أمل لادخال روح جديدة إلى الحزب واضفاء المصداقية عليه. لكن القادة الفاسدين، المتعبين، وغير الكفوئين قد يحكمون على أداء الحركة وامكانية اصلاحها بالفشل.
و- احياء قدرة الفلسطينيين على الاختيار. بامكان الولايات المتحدة دعم الحكم الديموقراطي عن طريق اعادة احياء شروط القانون الأساسي الفلسطيني، او الدستور الموقت. فالعودة الى الحكم الدستوري ستؤدي الى المزيد من التنظيم الجوهري في المجتمع الفلسطيني، بالاضافة الى توفر أفضل الوسائل اما لتدجين «حماس» واما لابعادها عن السلطة، عن طريق اجراء انتخابات جديدة. ومن دون قيام اتفاقية بين «فتح» و«حماس» لن تكون هناك امكانية لتنظيم الانتخابات او حتى اجراء استفتاء على مبادئ السلام الاسرائيلي - الفلسطيني، لان الامر لن يكون شرعيا ولن يكون قابلا للتنفيذ كذلك، رغم كون هذه الفكرة كثيرا ما طرحت كطريقة لتعزيز موقع عباس. بالاتفاق على العودة الى الحكم الدستوري، سوف يتكرس التاريخ المقرر في الدستور لاجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في العام 2010، فليس هناك من سبب للتعجيل بتقديم موعد هذه الانتخابات، لا سيما ان المحاولات السابقة للقيام بذلك ساهمت في المقام الأول بدفع «حماس» الى اتخاذ قرار الاستيلاء على غزة خلال العامين المقبلين، سيكون على «حماس» اما ان تفي بوعدها المتعلق باعتماد تغييرات واصلاحات، واما ان تواجه الناخبين الذين سيترتب عليهم اعادة النظر في حكمة خياراتهم في العام 2006. وسوف يكون من المفيد جدا لـ «فتح» ان تركز على كيفية مواجهة الناخبين بعد عامين بدلا من محاولة طرد «حماس» في الوقت القريب. ان اعادة احياء النظام الدستوري من المفترض ان يكون شرطا مسبقا لديبلوماسية اسرائيلية - فلسطينية جديدة قابلة للنجاح، بدلا من أن يمثل عقبة بوجهها. ففي حال غياب اي اتفاقية لعودة الحكم الدستوري، لن تتوافر الالية اللازمة لتنفيذ نتائج المفاوضات الاسرائيلية - الفلسطينية كما لن تكون هناك امكانية للتصويت عليها.
لقد ازداد شيوع التساؤل عن قابلية نجاح حل اقامة الدولتين خلال الاعوام القليلة الماضية، كما ازدادت الرؤية التشكيكية، حتى من جانب الذين كانوا قد وضعوا ثقتهم بهذا الحل وعلقوا آمالا كبيرة عليه في الماضي. أقوى الحجج المضادة لهذا التشاؤم تقوم على الحجة التي تعتبر ان اعادة احياء حل الدولتين هو الامر المرغوب، وليس على امكانية نجاحه، اما اذا لم تعالج ادارة الرئيس بوش، وهي في نهاية ولايتها، الاوضاع الأساسية التي تقوض حل الدولتين، فان الادارة التي ستخلفها سوف تكون مجبرة على البحث عن بديل. والبدائل الوحيدة الممكن ان تتوافر ستكون أسوأ بكثير بالنسبة لجميع الاطراف المعنية.
إضافة تعليق
|