انقلاب المجتمع الدوليّ على مبدأ "دولتان لشعبين"
انقلاب المجتمع الدولي على مبدأ "دولتان لشعبين"
تقرير معهد دراسات إسرائيلي يدعى "رئوت"،
مختص بقضايا الأمن القومي وتحقيق الرؤية الصهيوينة - نُشر في 2.8.2007
عن العبرية: المحامي محمد ماضي – حيفا (خاص لأجراس العودة)
يصف هذا التعبير خطر تخلّي أو تراجع دول وهيئات مركزية في المجتمع الدولي عن دعمها مبدأ "دولتان لشعبين" كحلّ للنزاع الإسرائيلي الفلسطيني، وانتقالها إلى دعم حل "الدولة الواحدة" على أساس "صوت واحد لكل واحد".
إن معنى مبدأ حلّ "دولتان لشعبين" (فيما يلي: مبدأ "حل الدولتين") هو حلّ النزاع الإسرائيلي الفلسطيني بواسطة إقامة دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل، بحيث تجسّد حق الفلسطينيين في تقرير المصير. وقد تمّ ترسيخ مبدأ "حل الدولتين" في قرار 181 الصادر عن الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة (شهر 11 عام 1947)، والذي دعا إلى تقسيم "أرض إسرائيل الانتدابية" إلى دولتين – يهودية وعربية(1). وإلى ذلك المبدأ – صراحة أو ضمناً - استندت منذ إعلان المبادئ (شهر 9 عام 1993) الفرضية الأساسية القائلة بمسار دبلوماسي بين إسرائيل والفلسطينيين.(2)
وقد حدث في السنوات الأخيرة تآكل مستمرّ على مبدأ "حل الدولتين" بسبب انسداد الأفق الدبلوماسي واستمرار العنف بين الإسرائيليين والفلسطينيين وصعود حماس. وفي خلفية ذلك ادّعاء أوساط مختلفة بأن الانتشار الجغرافي للتجمعات السكانية اليهودية والفلسسطينية وضيق المساحة ومسألة المياه، كل هذه لن تتيح إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة(3). ومنذ اليوم تتعاظم أصوات مفكرين بارزين(4) في المحافل الدولية تدعو إلى تبنّي مبدأ "دولة واحدة" بدلاً من مبدأ "دولتان"، لأن حل الدولة الواحدة هو الحل الوحيد الأخلاقي والعادل والممكن.
إن "انقلاب المجتمع الدولي" على حل "الدولتين" يقصد به خطر تخلّي دول مؤثرة وهيئات مركزية دولية عن دعم حل "الدولتين" أو أيّ حل آخر يرسّخ مبدأ الفصل بين الإسرائيليين والفلسطينيين، ومن ثم تبنّي حل "الدولة الواحدة" على أساس "صوت واحد لكل واحد".
وانقلاب المجتمع الدولي سيصبح رسميًا، فيما لو أعِدّ قرار في الأمم المتحدة يلغي أو ينقض اقتراحَي مجلس الأمن رقم 181 (خطة التقسيم) ورقم 1397 (الداعي إلى إقامة دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل)، ويدعو بدلاً من ذلك إلى إقامة دولة واحدة في "أرض إسرائيل الانتدابية" على أساس "صوت واحد لكل واحد".
في السنوات الأخيرة أخذت تتطور عدّة توجّهات من شأنها تسريع الانقلاب داخل المجتمع الدولي: توجّه نحو نزع أساسيّ لشرعية إسرائيل؛ انقلاب فلسطيني على الاحتلال؛ وتدويل مسألة "عرب إسرائيل".
النزع الأساسي لشرعية إسرائيل هو ما يحصل من اجتماع في الموقف بين حركات ونقابات وتنظيمات، لا يربطها معًا شيء في الظاهر، حول مسألة تثور دوريًا تجاه إسرائيل، على خلفية رفض يهودية الدولة. وفي الخطاب العام الدوليّ نحن نسمع دائمًا إنكار حق إسرائيل في الوجود، ولكنه الآن ينتقل من الهوامش إلى المنصّات المركزية
وقد حوّلت مختلف الأوساط المعادية للصهيونية نزع الشرعية عن إسرائيل إلى نمط تأسيسي لنشاطها. وتتحدّر هذه الأوساط من دول وحركات إسلامية، ومنظمات يسارية، ودول العالم الثالث وحركات لاساميّة. ويتميّز خطاب هذه الأوساط بعدة خصائص:
** استخدام نظريات سياسية لبرالية: هنالك أوساط مختلفة تتنكّر لحق إسرائيل في الوجود كدولة يهودية، وذلك باسم نظريات سياسية لبرالية. ويدّعي هؤلاء أن الصهيونية هي مشروع استعماريّ يمسّ بحقوق الإنسان الفلسطيني.
** استخدام مصطلحات الأبارتهايد: هنالك أوساط تساوي بين سياسات إسرائيل في "المناطق" وتجاه "الأقلية العربية" بسياسة الفصل العنصري تجاقتصاديًا اه السود في جنوب إفريقيا(6). وهذه المقارنة تعزّز منحى نزع الشرعية عن إسرائيل، كما تشجع دعوات مقاطعة إسرائيل أو أكاديميًا(7).
منحى الانقلاب لدى الفلسطينيين على الاحتلال هو تصوّر آخذ في الانتشار بينهم، ومفاده أن المصلحة الفلسطينية تكمن في استمرار الاحتلال الإسرائيلي. وتنشط أوساط فلسطينية مختلفة في المجال السياسي ومجال الإرهاب، لإفشال الخطوات الهادفة إلى إنهاء الاحتلال، انطلاقًا من تقدير هذه الأوساط بأن العبء السياسي والاقتصادي والإداري والديمغرافي الذي يسببه الاحتلال، سوف يتسبب في انهيار إسرائيل(8) -
(أنظر، بالعبرية: "منطق الانهيار" http://reut-institute.org/Publication.aspx?PublicationId=2002 .
ويشكل منحى الانقلاب الفلسطيني تعبيرًا عن تآكل مبدأ "الدولتان" وعن الانسداد السياسيّ. ونظريًا، فإن فوز حماس في الانتخابات (في شهر 1/2006) وتسلطها على غزة يقوّي فكرة الدولة الواحدة بين الفلسطينيين. وكلما أصبح الانقلاب الفلسطيني تجاه الاحتلال أكثر جلاءً بحيث يصبح انقلابًا رسميًا – أي: دعوة رسمية من جانب الحركة الوطنية الفلسطينية(9) إلى إقامة دولة واحدة – ازداد خطر الانقلاب الدوليّ على مبدأ "الدولتان".
في السنوات الأخيرة، تمرّ مسألة العلاقات بين "عرب إسرائيل" ودولة إسرائيل عملية تدويل إذ تنتقد أوساط دوليّة سياسة إسرائيل تجاه "الأقلية العربية" داخلها، كأنما لا يتعلق الأمر بمسألة إسرائيلية داخلية. (أنظر: تدويل مسألة "عرب إسرائيل" – من قضية داخلية إلى علاقات خارجية - http://reut-institute.org/Publication.aspx?PublicationId=146).
ويتعاظم منحى تدويل قضية "عرب إسرائيل" على ضوء التوتر المستمر بينهم وبين دولة إسرائيل(10)، ففي وثيقة التصور المستقبلي للعرب الفلسطينيين في إسرائيل (فيما يلي: وثيقة التصور) الذي نشرته لجنة المتابعة العليا لشئون الجماهير العربية، يتحدى واضعو الوثيقة تعريف دولة إسرائيل كدولة يهودية.(11)
إن التقاء عاملَي التوتر المستمر بين دولة إسرائيل و"الأقلية العربية" داخلها، ومنحى تدويل مسألة عرب إسرائيل، يعزز النقد الموجّه إلى إسرائيل وتعريفها كدولة يهودية، ولربما يكون له تأثير على منحى انقلاب المجتمع الدولي على صيغة "الدولتين" كحل للنزاع الإسرائيلي – الفلسطيني.(12)
--------------------------------
هوامش:
وردت في متن الدراسة وهوامشها إحالات إلى روابط باللغة العبرية، أبقيناها كما هي لإطلاع من يتقن اللغة العبرية، على أمل أن نتمكن قريبًا من ترجمة ما نراه مهمًا منها، مثل "دفع الدولة الواحدة" وغيرها.
(1) لقد سبق "خطة التقسيم" تقرير قدمته لجنة برئاسة اللورد بيل (لجنة بيل) عام 1937، على خلفية التمرد العربي (1936-39) والأحداث الدموية بين اليهود والعرب في "أرض إسرائيل". وقد أوصت اللجنة بإقامة دولتين في "أرض إسرائيل الانتدابية": دولة يهودية في مساحة مقلصة ودولة عربية على معظم المساحة. وقد رفض السكان العرب والقيادة العربية توصيات اللجنة، ثم تملصت منها حكومة بريطانيا في "الكتاب الأبيض" الذي أعده مكدونالد (في أيار 1939).
(2) على سبيل المثال:
(أ) "عملية أوسلو": في إطار "اتفاق المبادئ" (أيلول 1993) جرى تبنّي العملية السياسية التي وضعت أسسها في كامب ديفيد 1978 فتحولت هذه إلى مبنى متفق عليه للعملية السلمية بين إسرائيل والفلسطينيين، المعروفة ب"عملية أوسلو". ووفق هذا المبنى، كان من المفترض أن يوقع الطرفان في نهاية الفترة الانتقالية (أيار 94 – 99) اتفاقًا نهائيًا كان المتوقع منه أن يؤدي إلى إقامة دولة فلسطينية.
(ب) مقترحات كلينتون: (كانون أول 2000) – وفقًا لمقترح السلام الذي قدمه رئيس الولايات المتحدة آنذاك إلى رؤساء طواقم المفاوضين من طرف إسرائيل والسلطة الفلسطينية، كان يفترض في الوضع النهائي قيام دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل.
(ج) رؤية الرئيس بوش (حزيران 2002) نادت بإقامة دولة فلسطينية في حدود مؤقتة يتم ترسيمها عدة سنوات بعد إقامة الدولة.
(د) خريطة الطرق (نيسان 2003) المستندة إلى رؤية بوش، اشتملت على إقامة دولة فلسطينية في حدود مؤقتة في المرحلة الثانية من الخطة، وقبل الوضع النهائي. وكان يفترض في المرحلة الثالثة أن يتفاوض الطرفان على الوضع النهائي وفقًا لمبدأ "دولتان لشعبين" في إطار مؤتمر دولي.
(هـ) قرار مجلس الأمن 1397 دعا إسرائيل والفلسطينيين إلى العودة للمفاوضات والوصول إلى حل دولتين لشعبين.
(3) المصطلح "دولة فلسطينية قابلة للحياة" (Viable Palestinian State) يتخذ في السنوات الأخيرة مكانة شرط أدنى لقيام الدولة الفلسطينية. وقد تبنّى المصطلح لاعبون مركزيون في الحلبة الدولية، رغم عدم الاتفاق المشترك على ما يعنيه المصطلح. إن تبنّي المجتمع الدولي لهذا المصطلح بدون فهم معناه، من شأنه أن يجعله نقطة احتكاك وخلاف مستقبلية وعائقًا في طريق إقامة دولة فلسطينية وفق مبدأ "دولتان لشعبين".
(4) أنظر مثلاً: فيرجينيا تيلي، "حل الدولة الواحدة" 2005؛ إدوارد سعيد، من أوسلو إلى العراق، 2004؛ أسعد غانم "دولة واحدة تكفي"، هآرتس 13/6/2007(*).
(5) على سبيل المثال، ادعى كن لفينغستون رئيس بلدية لندن، كان من الأفضل لو لم تقم دولة إسرائيل أصلاً، كما من الأفضل لو بعد "المحرقة" عاش اليهود في الولايات المتحدة أو إنجلترا. وفي الوقت نفسه يعتقد لفينغستون أنه من لحظة قيام دولة إسرائيل يكون حل الدولتين هو الحل الأمثل. انظر طوني بايفلد، "سياسات اليأس"، الجارديان 25/7/2007.
(6) على سبيل المثال كتاب الرئيس الأمريكي الأسبق، كارتر. صحيح أنه لا يتنكر لحق إسرائيل بالوجود كدولة يهودية ولكنه ينتقد بشدة سياساتها تجاه الفلسطينيين. أنظر: جيمي كارتر، "فلسطين - سلام، لا فصل عنصري" - 2006. وقد بيّن استطلاع جرى عام 2005 أن 45% من سكان أوروبا يعتقدون أن إسرائيل تتعامل مع الفلسطينيين مثلما تعاملت جنوب إفريقيا مع مواطنيها السود أثناء نظام الأبارتهايد. أنظر "في أوروبا تتعزز صورة مسبقة لليهود كمزدوجي الانتماء"، هآرتس 18/7/2007.
(7) المقاطعة، وخاصة من قبل هيئات تجارية وأكاديمية ومنظمات عمالية في بريطانيا، تجعل إسرائيل تبدو في المجتمع الدولي كدولة "مجروبة". عن ردود الفعل الإسرائيلية تجاه المقاطعة، أنظر: "ردود الفعل الإسرائيلية لمحاولات المقاطعة في بريطانيا".
(8) تتوقع التقديرات أن يضاعف السكان العرب في الضفة الغربية وقطاع غزة خلال عشرين سنة. وبحلول عام 2020 - وفقًا لهذه التوقعات - سوف يشكل العرب في "أرض إسرائيل" 54%. أنظر: دانيال بن سيمون، "المستقبل الإحصائي القاتم للأغلبية اليهودية في إسرائيل" – هآرتس 30/8/2004.
(9) أنظر: أزمة التمثيل الفلسطيني (بالعبرية) http://reut-institute.org/Publication.aspx?PublicationId=1216
(10) وصل هذا التوتر ذروته في أحداث أكتوبر 2000 حيث قتل 12 "عربيًا إسرائيليًا". وفي خضمّ الأحداث نشرت لجنة المتابعة العليا لشئون الجماهير العربية بيانات حادّة اللهجة تجاه سياسة إسرائيل وممارساتها. أنظر تقرير لجنة أور، الفصل (هـ): "رسائل تصعيدية يبثها قادة الجمهور العربي في فترة ما قبل أحداث أكتوبر وأثناءها"، 2003.
(11) وثيقة التصور المستقبلي التي نشرتها لجنة المتابعة ولجنة رؤساء السلطات المحلية العربية، كانت المحاولة الأولى لتحدّي مسألة مكانة "عرب إسرائيل" في الدولة اليهودية. إلى جانب مطلب المساواة الاقتصادية والاجتماعية، اشتملت الوثيقة على مطلب إلغاء تعريف إسرائيل كدولة يهودية وإقامة نظام مؤسس على الديمقراطية التوافقية يتيح ل"عرب إسرائيل" حق نقض (فيتو) القرارات القومية.
(12) حول ادعاءات بأن إسرائيل هي ديمقراطية إثنية، ومواجهة هذه الادعاءات، أنظر روبنشطاين ويعقوبسون (بالعبرية): إسرائيل وعائلة الشعوب، ص 15– 18.
(*) ملاحظة أجراس العودة: ترجمة مقالة أسعد غانم إلى العربية في أجراس على الرابط التالي:
ترتأي أجراس التعريف بمعهد "رئوت" ليكون احد "مرجعيات القراءة" : هو معهد دراسات متخصص في العلاقات الإسرائيلية الفلسطينية، ويهدف لإسداء خدمات بحثية مساعدة في اتخاذ القرار السياسي، تأسس عام 2004، وكان "زبونه" الأول مجلس الأمن القومي في إسرائيل. في شهر 1/2007 قدم معهد "رئوت" دراسة مطولة لمؤتمر هرتسليا السابع، في موضوع (الانقلاب الفلسطيني في التعامل مع الاحتلال). تشكلت لجنة التوجيه من شخصيات "حمائمية" ضلع قسم منها في المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية: بيني ميدان، أمنون بيرلمان، دالية رابين، أوري شَني، المحامي جلعاد شِر، الجنرال باروخ شبيغل.
معهد "رئوت" كما يعرّف نفسه: "مؤسسة هدفها تحسين قدرة حكومة إسرائيل على إدارة نفسها بصورة استراتيجية. أقيم المعهد عام 2004 ويعرض خدماته بغير مقابل، بهدف الإسهام إسهامًا جوهريًا ومستمرًا في تحقيق الرؤية الصهيونية في القرن الواحد والعشرين، وذلك بواسطة بلورة فهم المعاني طويلة الأمد لقرارات وأعمال، ونقل ذلك إلى أصحاب القرار..". لقد تحوّل معهد رئوت إلى بيت ونقطة ارتكاز للعاملين في شئون تخصّ مستقبل دولة إسرائيل... نحن نعمل على سد الاحتياجات الحالية والمستقبلية لحكومة إسرائيل بواسطة إنتاج معرفة جديدة وراهنة، في أقصر وقت ممكن. اختصاصنا التعرّف إلى فرضيات أساسية وفرضيات عمل صريحة ومضمّنة، كما في اختبار راهنيتها بالنظر إلى الواقع المتغير... طريقة عملنا تعتمد منهجًا أنتج ليساعد في تشكيل السياسات في ظروف متقلبة. نركز اهتمامنا في تحديات الأمن القومي لدولة إسرائيل..".
إضافة تعليق
|